فخر الدين الرازي
38
تفسير الرازي
مشترك ، والظاهر أنها حقيقة في العين التي هي آلة الأبصار ومجاز في غيرها ، أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الباصرة التي يخرج منها الدمع ، أو لأن الماء الذي في العين كالنور الذي في العين غير أنها مجاز مشهور صار غالباً حتى لا يفتقر إلى القرينة عند الاستعمال إلا للتمييز بين العينين ، فكما لا يحمل اللفظ على العين الباصرة إلا بقرينة ، كذلك لا يحمل على الفوارة إلا بقرينة مثل : شربت من العين واغتسلت منها ، وغير ذلك من الأمور التي توجد في الينبوع ، ويقال : عانه يعينه إذا أصابه بالعين ، وعينه تعييناً ، حقيقته جعله بحيث تقع عليه العين ، وعاينه معاينة وعياناً ، وعين أي صار بحيث تقع عليه العين . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( فالتقى الماء ) * قرىء فالتقى الماءان ، أي النوعان ، منه ماء السماء وماء الأرض ، فتثنى أسماء الأجناس على تأويل صنف ، تجمع أيضاً ، يقال : عندي تمران وتمور وأتمار على تأويل نوعين وأنواع منه والصحيح المشهور : * ( فالتقى الماء ) * وله معنى لطيف ، وذلك أنه تعالى لما قال : * ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) * ( القمر : 11 ) ذكر الماء وذكر الانهمار وهو النزول بقوة ، فلما قال : * ( وفجرنا الأرض عيوناً ) * كان من الحسن البديع أن يقول : ما يفيد أن الماء نبع منها بقوة ، فقال : * ( فالتقى الماء ) * أي من العين فار الماء بقوة حتى ارتفع والتقى بماء السماء ، ولو جرى جرياً ضعيفاً لما كان هو يلتقي مع ماء السماء بل كان ماء السماء يرد عليه ويتصل به ، ولعل المراد من قوله : * ( وفار التنور ) * ( هود : 40 ) مثل هذا . وقوله تعالى : * ( على أمر قد قدر ) * فيه وجوه الأول : على حال قد قدرها الله تعالى كما شاء الثاني : على حال قدر أحد الماءين بقدر الآخر الثالث : على سائر المقادير ، وذلك لأن الناس اختلفوا ، فمنهم من قال : ماء السماء كان أكثر ، ومنهم من قال : ماء الأرض ، ومنهم من قال : كانا متساويين ، فقال : على أي مقدار كان ، والأول إشارة إلى عظمة أمر الطوفان ، فإن تنكير الأمر يفيد ذلك ، يقول القائل : جرى على فلان شيء لا يمكن أن يقال إشارة إلى عظمته ، وفيه احتمال آخر ، وهو أن يقال : التقى الماء ، أي اجتمع على أمر هلاكهم ، وهو كان مقدوراً مقدراً ، وفيه رد على المنجمين الذين يقولون إن الطوفان كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة حول برج مائي ، والغرق لم يكن مقصوداً بالذات ، وإنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه ، فقال : لم يكن ذلك إلا لأمر قد قدر ، ويدل عليه أن الله تعالى أوحى إلى نوح بأنهم من المغرقين . * ( وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) * . أي سفينة ، حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه ، إشارة إلى أنها كانت من ألواح مركبة موثقة بدثر ، وكان انفكاكها في غاية السهولة ، ولم يقع فهو بفضل الله ، والدسر المسامير .